ابن العربي
985
أحكام القرآن
وقالت طائفة : إنما ذلك مخصوص بالمنافقين زمان رسول اللّه . أفادنى أبو بكر الفهري بالمسجد الأقصى : أن مقاتل بن حيان ، قال : خرجت زمان الحجاج بن يوسف ، فلما كنت بالرىّ أخبرت أنّ سعيد بن جبير بها مختف من الحجاج ، فدخلت عليه ، فإذا هو في ناس من أهل ودّه . قال : فجلست حتى تفرقوا . ثم قلت : إنّ لي - واللّه - مسألة قد أفسدت علىّ عيشي . ففزع سعيد ، ثم قال : هات . فقلت : بلغنا أنّ الحسن ومكحولا - وهما من قد علمت في فضلهما وفقههما فيما يرويان عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ثلاث من كنّ فيه فهو منافق ، وإن صلّى وصام ، وزعم أنه مؤمن : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان . ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه ثلث النفاق . وظننت أنى لا أسلم منهن أو من بعضهن ، ولم يسلم منهن كثير من الناس . قال : فضحك سعيد ، وقال : همّنى واللّه من الحديث [ مثل ] « 1 » الذي أهمّك . فأتيت ابن عمر وابن عباس فقصصت عليهما ما قصصت علىّ ، [ فضحكا ] « 2 » وقالا : همّنا واللّه من الحديث مثل الذي أهمّك . فأتينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أناس من أصحابه ، فقلنا : يا رسول اللّه ، إنك قد قلت : ثلاث من كنّ فيه فهو منافق ، وإن صام وصلّى وزعم أنه مؤمن : من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ، ومن كانت فيه خصلة منهن ففيه ثلث النفاق ، فظننا أنا لم نسلم منهنّ أو من بعضهن ولن يسلم منهن كثير من الناس . قال : فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : ما لكم ولهنّ ؟ إنما خصصت به « 3 » المنافقين ، كما خصّهم اللّه في كتابه . أما قولي : إذا حدث كذب فذلك قول اللّه عز وجل « 4 » : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ . . . الآية لا يرون « 5 » نبوّتك في قلوبهم ، أفأنتم كذلك ؟ قال : فقلنا : لا . قال : فلا عليكم ، أنتم من ذلك برآء .
--> ( 1 ) من ل . ( 2 ) من ل . ( 3 ) في القرطبي : بهن . ( 4 ) سورة المنافقون ، آية 1 . ( 5 ) في ل : لا يستيقنون .